مصطفى مسلم

77

مباحث في إعجاز القرآن

وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين ، وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم . ثم أتى بجمل ما وقع وحدث ، من عظيمات الأمور ومهمات السير ، من حين خلق اللّه آدم عليه السلام ، إلى حين مبعثه ، فذكر في الكتاب ، الذي جاء به معجزة له : قصة آدم عليه السلام ، وابتداء خلقه ، وما صار أمره إليه من الخروج من الجنة ، ثم جملا من أمر ولده وأحواله وتوبته ، ثم ذكر قصة نوح عليه السلام ، وما كان بينه وبين قومه ، وما انتهى إليه أمرهم ؛ وكذلك أمر إبراهيم عليه السلام ، إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في القرآن ، والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم . ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه ، إلا عن تعلم ؛ وإذ كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ، ولا مترددا إلى التعلم منهم ، ولا كان ممن يقرأ ، فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه ، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي . ولذلك قال عزّ وجلّ : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ العنكبوت : 48 ] ، وقال : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [ الأنعام : 105 ] . وقد بينا أن من كان يختلف إلى تعلم علم ، ويشتغل بملابسة أهل صنعة ، لم يخف على الناس أمره ، ولم يشتبه عندهم مذهبه ، وقد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم ، وإن كان نادرا ، وكذلك كان يعرف من يختلف إليه للتّعلّم ، وليس يخفى في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها ، فلو كان منهم لم يخف أمره . والوجه الثالث : أنه بديع النظم ، عجيب التأليف ، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه . والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة ، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها . فالذي يشتمل عليه بديع نظمه ، المتضمن للإعجاز وجوه : 1 - منها ما يرجع إلى الجملة ، وذلك أن نظم القرآن على تصرف